ابن الفارض

90

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

أراد ( باليوم ) المنفي اليوم المتعارف من طلوع الشمس إلى غروبها ، و ( باليوم ) المثبت حين ظهور الأشياء كلّها بطريق المعلومية في ذات اللّه تعالى ، ويسمّي الذات بهذا الاعتبار عالم الأمر بخروج الأشياء من الوجود العلمي فيها إلى الوجود العيني في عالم الخلق بواسطة أمر كن ، وأول ما يجد الموجود العلمي من الوجود العيني ظهوره في اللّوح المحفوظ في عالم المثال ، ثم في عالم الشهادة ؛ كما يجد المعلوم الخارج عن الذات المتكلّم وجودا عقليّا في قلبه أولا ، ثم وجودا خياليّا في نفسه ثانيا ، ثم وجودا حسيّا في قوله ثالثا ، والربّ تعالى ما بدأ لعبده [ 107 / ق ] ولا أخذ عليه الميثاق إلّا عند دخوله في عالم الخلق ، وخروجه من الوجود العلمي إلى الوجود العيني ، وتمثّل روحه مع صفاتها الذاتية من سمع ، وبصر ، ولسان ، وغيرها في عالم المثال بصورة مثالية ، ليبصر فيها ظهور الربّ ، ويسمع خطابه ويجيب عن سؤاله ، فقوله : ( منحت ولاها يوم لا يوم . . . الخ ) ، إشارة إلى قدم محبّته ، وكونها موهوبة له في الأزل قبل وجود الزمان ، وبدوّ الرب لعبده عند أخذه الميثاق عليه ، ومتعلق في ( أوليتي ) منحت ، وعند ( بدت ) أي وهبت إليّ محبتها في أوليتي حين انتفى اليوم العرفي قبل ظهور المحبوبة عند أخذها الميثاق عليّ ، وهذان الوصفان يبينان مراده بالأولية ، وقوله : فنلت ولاها ، لا بسمع وناظر * ولا باكتساب ، واجتلاب جبلّة وهمت بها في عالم الأمر حيث لا * ظهور ، وكانت نشوتي قبل نشأتي أراد ( باجتلاب الجبلّة ) : اقتضاه الفطرة ، و ( بالنشأة ) : الظهور في عالم الخلق ، أي : لما منحت محبتها قبل تعيّني وظهوري في عالم الخلق أجبتها بها ؛ لأني نلت هواها ، لا بواسطة سمع من أسمع به خطابها أو ناظر مني أنظر إلى جمالها ، و ( لا باكتساب ) وصرف أحرمني ، أو اقتضاء فطرة في مجتلبة المحبّة ، وتحيّرت بحبها في عالم الأمر حيث لا ظهور لذاتي ، ولا لصفاتي في عالم الخلق وكانت نشوتي وسكرتي من حبّها قبل ظهوري في عالم الخلق ، ولمّا كانت الصفات دخيلة ، والهوى غيور يفني إلا خبيئة بين المحبّ والمحبوب ، قال : فأفنى الهوى ما لم يكن ثمّ باقيا * هنا ، من صفات بيننا ، فاضمحلّت أراد بقوله : ( باقيا ) ثابتا ، وأشار ( بثم ) إلى عالم الأمر ، ويتعلّق ( بباقيا ) ، ب ( هنا ) إلى عالم الخلق [ 108 / ق ] ، ويتعلق بأفنى و ( من ) لبيان الإبهام في ( ما ) ، والاضمحلال : الذهاب ، أي : لما نلت هواها في عالم الأمر ، لا بوصف منّي ، ثم